السيد كمال الحيدري
326
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
لاسيَّما إذا لم يسعفنا سبب النزول أو شأنه « 1 » . على المُفسِّر الحقيقي المُدقِّق أن يبحث في ذلك حتى يصل إلى مُعطاها القرآني ، ولكن مع ذلك لتسهيل مهمّة البحث لا ضير في العود إلى لغة الأُمّ للمفردة دون تحكيمها ، فلعلَّ معناها الأصلي ، والذي نُطلق عليه بالمعنى الأوّلي ، يُشكِّل للباحث قرينة تتّجه به إلى المعطى القرآني ، فإنَّ أصلها ومعناها الأوّل لا يعدو أن يكون معنى لغوياً ، وقد عرفت أنَّ القرآن الكريم تجاوز المفاد اللغوي في موارد عديدة حتى على مستوى اللغة العربية فضلًا عن غيرها . بقي أن ندفع توهّماً وهو : إذا كانت النسبة بين لغة القرآن الكريم واللغة العربية هي العموم من وجه ، فلا معنى لامتياز اللغة العربية ؛ إذ النسبة هي نفسها بين لغة القرآن وجميع اللغات الأُخرى التي استعمل منها القرآن بعض مفرداتها . والجواب : إنَّ النسبة هي كذلك ولكن مع الفارق الكبير ، فاللغة العربية هي المادّة الأُولى للصناعة القرآنية ، بمعنى عدم إمكان الانفكاك ، وأما اللغات الأُخرى فلضآلة شركتها لا يُكاد أن يُرى أثرها ، لاسيَّما في ضوء ما نتبنّاه من الحقيقة القرآنية التي تطال حتى المفردات غير العربية ، فلا يبقى لها أثر ولا عين ، وأما على مستوى الأعلام الشخصية فذلك لا يُعدّ شركة حقيقية ، وقد
--> ( 1 ) هنالك فرق دقيق بين سبب النزول وشأنه ، فسبب النزول هو تعبير آخر عن الحادثة التي سبقت نزول الآية ، وأما شأن النزول فهو الموضوع الذي جاءت به الآية ، ولتوضيح هذه الفكرة الدقيقة سنمثِّل بآية الولاية ، وهي قوله تعالى : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ . المائدة : 55 . فإنَّ سبب نزولها هو تصدّق أمير المؤمنين علي عليه السلام بخاتمه وهو راكع في صلاته المندوبة ، وأمّا شأن نزولها فهو أعظم بكثير من سببها ، وهو إثبات الولاية للإمام علي عليه السلام على سائر المؤمنين ، فهي كولاية الله وولاية رسوله . .